الجمعة، 30 ديسمبر 2011

وداعاً 2011


ساعات قليلة ويغرب عنا عام ليس ككل عام. إنه عام دوّن أحداثه بحروف من نار ودم في جسد وطننا وتاريخه بل وفي تاريخنا الشخصي. لقد تباينت ردود الأفعال حوله. ينظر إليه البعض كعام الدم والموت، يطالبونه بالرحيل بلا عودة. وينظر إليه البعض بحب وفخر واعتزاز.
جاءت لنا أولى ساعات هذا العام ببشرى الدم، فالدماء فاضت بغزارة لا متناهية إثر تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية. جريمة بشعة لم يُعرف مرتكبها حتى الآن، وإن كانت الظنون تشير إلى وزير الداخلية السابق والمحبوس حالياً على ذمة التحقيق في العديد من التهم المنسوبة إليه. فاضت العيون بالدموع، واتشحت القلوب بالسواد من جراء هذه الجريمة الشنيعة.
جاءت سنة2011 ونحن غارقون في فوضى التوريث، هيمنة الحزب الواحد، احتكار الإنتاج، حتى الإعلام كان موجهاً ليزيد من جهل الجهلاء وغباء المشاهدين.
كنا حتى العام 2011 نعيش كعبيد وإماء في عزبة البيه الباشا صاحب السرايا الكبيرة، ننتظر منه نظرة عطف، منحة العمال، ابتسامة مزيفة وكأنه لا ينام إلا وهو مطمئن على حال كلّ شخص منا.
حتى العام 2011 كان التعليم يغذي وبقوة غباء الطلاب في كلّ مراحل الدراسة، كان المدرس جاهلاً بالشيء وفاقد الشيء لا يعطيه. أما المدارس فهي ذاك السجن النازي الذي يعاني فيه الطلاب من بطش المدرس والناظر والمدير، بل وكامل وزارة التربية والتعليم التي لا تنأى بجهدها كي تقهر هذا الطالب وذاك المدرس، ويعيش الجميع في ظلّ هذه الحكومة الرشيدة وهذا الحاكم العادل.
حتى 2011 كانت كرامة المصري تهان بل وتقتل أمام كلّ مستشفى حكومي، فملائكة الرحمة تحولن لملائكة العذاب والتكفير. ورسالة الطب أضحت تماثل مهنة الجزار (اللّحام)، ولا عزاء للإنسانية. أما الدواء فما يقتل منه أكثر مما هو يشفي.
وفي العام 2011 وصل الفلاح المصري الذي كان مضرب المثل في عشقه لأرضه إلى مرحلة أصبح فيها يكره الأرض ويمقتها، يهجرها من جراء نقص الإمكانيات، والجهود الحثيثة لوزارة الزراعة لتثبيط العزيمة، وفقد الأمل جراء المبيدات المُسرطنة والأسمدة المغشوشة وعقود بيع المحصول التي تفتك بالمسكين وتصيبه بالمرض. وعن استصلاح الأراضي فحدث ولا حرج، يريدون الصحراء خضراء دون بشر يزرع ويغرس. يزرعون هم العراقيل والموانع العديدة لطرد الشباب من هذا المشروع الضخم، تحويل رمال الصحراء إلى جنة منتجة، فلا جنة ولا فردوس إلا جنة الباشا صاحب السرايا، والباقي هي أحلام في عقول السفهاء من عامة الشعب.
حتى عام 2011  كانت المساكن لا تصلح لبشر بل هي مأوىً لحيوانات. أُسرٌ بأكملها تعيش في برك من مياه الصرف الصحي وبين أكوام القمامة. والأحسن حال يتكدسون بالعشرات في غرفة واحدة، يختلط فيها الحابل بالنابل، فتحبل الأم من ولدها والبنت من أبيها، وفي أحسن الأحوال تحبل من ابن الجيران لأن الحمام هو حمام عام خارج البناء.
وهكذا ينام السيد البيك الباشا صاحب السرايا الفخمة قرير العين مرتاح البال، فالحكومة ساهرة على أن يزداد الغني غنىً والفقير فقراً. والتركة تقسم وتورث وعامة الشعب مقهورين في ظروف قد نكون عبرنا عن بعضها، وكلماتنا احياناً لا تستطيع أن تعبر بصدق عن كلّ ما نبغي إيضاحه. وأفكارنا لا تسع دوماً كل ما نريد أن نسرده.
حتى 2011 كان كلّ هذا ولكن كان ثمة حلم الدفين أيضاً. لم يستطع طاغية أن تنال منه يوماً، ولم تقدر منظمة مهما على شأنها أن تهدمه. إنه حلم التخلص من كلّ هذه المظاهر السابقة، وأولها سرايا البيك الباشا صاحب العزبة.
فلم تمض أيام قليلة على بدء هذا العام، وإذ بالحلم يصرخ في أحشاء الشعب، لقد حانت ساعة الولادة، جاءت ساعة الخروج إلى الحياة. أحشاء المصري تتحرّك، ويخرج الجنين صارخاً بأعلى صوته مستنشقاً عبق الحياة ’’الشعب يريد إسقاط النظام‘‘ تلك كانت صرخة ولادة الثورة المصرية الفتية. ‘‘ الشعب يريد.......’’ لكم هي جميلة هذه العبارة، وأنا أتأمل فيها أتذكر كلمات تغنت بها سيدة الشرق العربي أم كلثوم تقول: «وصاح من الشعب صوت طليق .. قوىٌ .. ابىٌ .. عميقٌ .. عريق يقولُ أنا الشعبٌ والمعجزة .. أنا الشعب لا شيء قد أعجزه كل الذى قاله أنجزه. أنا الشعب .. لا أعرفٌ المستحيلا...ولا أرتضى بالخلودٍ بديلا»
 إذ تعكس هذه الصرخة وللمرة الأولى في بلادنا إرادة شعب لا إرادة حكومة أو زعيم. بهذه الصرخة تحقّقت إرادة الشعب التي كانت دوماً حبراً سائلاً على أوراق رجال السياسة، وضيفاً عزيزاً على حناجر زعمائه في خطاباتهم الرسمية وغير الرسمية.
من هم الذين خرجوا لإسقاط النظام؟!!! إنهم أبناء الوطن الذين ينشغلون بمشاغله، يعملون في مصانعه، يفلحون في أرضه، إنهم أطباء في مستشفياته، ومهندسون لمشاريعه المختلفة. هم معلمون في مدارسه وطلاب لهم. هم مثقفون ومبدعون وفنانون. الكلّ على حدّ السواء، فقد خرجت لإسقاط النظام مختلف أطياف الشعب المصري.
حاول صاحب السرايا ومالك الإقطاعية الصمود، ولكنه لم يستطع أمام هذا الزخم الشعبي، لم يقدر على الثبات أمام رغبة شعب أراد الحياة، تخلّى...تنحّى...هرب...النتيجة واحدة: حقّق الشعب حلمه، خلق حريته. عاد إنساناً بعد أن كنا قد فقدنا الأمل. وبعد أن تحول المصري إلى مسخ، تجلّت صوره كأبدع ما خلق الباري عز وجل. حطّم كلّ قيود السُلطة والجاه. أعطى درساً للعالم أجمع في الوطنية، وفي حبّ الحياة، وفي الانتماء إلى وطن يحبّه حتى الموت.
قدّم الشعب شهداء لا عدد لهم، أغلبهم في ريعان الشباب، من مختلف أطياف الوطن. جمهعتهم قلوبهم على حبّ الأرض والبحث عن الحرية. منهم الطبيب والمهندس والمحامي، منهم العامل والفلاح. كلّهم ذوي قضية وأصحاب حلم واحد حلم الكرامة، الحريّة والعدالة الاجتماعيّة. 
أما المؤسّسة العسكرية، فهي كانت من مفاجآت هذا العام أيضاً. فالجيش الذي نفتخر به، والذي هتفنا له ساعة نزوله أرض معركة الثورة. الجندي الذي هو أخي وأخيك، وأبن عمي، وصديقي. يحوله قياداته إلى شبه عسكري، يرى ولا يتحرك، يسمع ولا فعل له. كانت خطته الحياد السلبي، فلم يكن مع طرف ضد طرف.
لم تكن مفاجأة أن يتغاضى الشعب المصري الطيب على هذا ويهتف "الجيش والشعب إيد واحدة" إنها يد الوطن التي تزرع الخير وتحصد السعادة. وعلى العكس من هذا، بتر المجلس العسكري يد الوطن المريضة من الأساس. جال في الوطن فساداً، فمن محاكمات صورية مدنية لقتلة الشعب، الشريان الأخر لهذه اليد، لمحاكمات عسكرية قاسية عنيفة لثوار الشعب وشبابه الذي حمل أرواحه على كفيه في سبيل الحرية والكرامة والعدالة. حتى وصل بنا الأمر إلى توجيه اتهامات باطلة لشباب جامعي متفوق بأنهم بلطجية وقطاع طرق.
في 2011جاء المجلس العسكري برئيس وزراء هرم عجوز ليقود البلاد نحو الإصلاح، فإذ به يقودها نحو الهلاك. فكانت أولى خطواته الإصلاحيّة أن شكّك في مصداقية الثورة بسؤالٍ عقيم لا يخرج إلا من كهل فقد بريق الحياة. أطلّ علينا ذو الصلاحيات الرئاسية بسؤال ساخر عما إذا كان الطفل يثور؟ إنها ثورة الكبار والصغار، ثورة الرجال والنساء والشيوخ. إنها البحث عن الحياة وسط كلّ هذا الذل والقهر والفقر والحرمان.
خرج المسيحيون في 2011 من عزلتهم التي فرضتها عليهم أسوار الكاتدرائية المرقصية العالية. ثار المصريون على هذه الأسوار أيضاً، خرجوا ليعبروا عن غضبهم عن تعامل السلطات مع مشاكلهم التي هي مشاكلّ كلّ مصري، ذد على ذلك قيود عتيقة على بناء دور عبادتهم، هذه القيود التي جعلت الممنوع مرغوباً حتى ولو لم نكن في حاجة له. وللأسف جاء ردّ الفعل عنيفاً فسقط العشرات من القتلى في مواجهات خلنا لوهلة أنها ليست في بلدنا الثائر. غرقنا في حزننا للمرة الثانية على ضحايا ماسبيرو والذين هم أيضاً من شباب بلدنا وأبناء حلمها المولود حديثاً.
في عام 2011 اشتهر القناصة بضرب عيون الشباب الثائر، وكأنه لا يريد له أن يرى حلمه يتحقق أمامه.
في عام 2011 نسي الجيش الذي هو أخي وصديقي أنه ليس في جبهة المعركة، بل أمام بنات وسيدّات وطنه. فراح يسحلهن   ، يضربهن، يعريهن من ملابسهن في صورة ليس في بشاعتها مثيل.
في عام 2011  ثمة العديد من الأمور التي يطول ذكر تفاصيلها، قد ننسى بعضها، إلا أننا لن ننسى أن في السجون العسكرية مدنيين يعانون مرارة الحبس من بعد حلم الحرية.
في عام 2011 فقد البعض منا أباً أو أماً، أخاً أو أختاً، صديقاً أو صديقةً، لا بنيران العدو، بل بزخات رصاص جيشنا الباسل وقواتنا المسلحة التي قهرت خط بارليف المنيع ذات يوم.
هذه كانت بعض أحداث عام 2011.......
فسلاماً عليك يا عام المتناقضات. فمن بعد الحريّة أتى الاحتلال العسكري. إننا نودعك غير آسفين بل فخورين وفرحين.
معك ولد حلمنا الجميل وأصبح طفلاً صغيراً.
معك حملنا مسؤولية تنشئة وتربية هذا الحلم الرضيع.
معك اختبرنا أننا بشر، ولسنا ماكينات، فالتغيير لا يأتي بضغطة زر بل بجهد وكفاح وعمر ليس بقليل.
معك عرفنا الوجوه الحقيقية لأصحاب القلوب الكريهة التي لا تعرف سوى العيش على الرائحة النتنة بين القبور.
معك عرفنا أن عيوننا هي بصيرتنا، فحتّى لو فقدنا نور الأعين فإن بصيرتنا ستقودنا نحو حلمنا الصغير فنعرفه خير معرفة.
معك نقضنا عنا كلّ ماضٍ غابر، وتحملنا وزر ما فعله السفهاء منا.
معك أكتشفنا طعم الحياة، وذقنا حلاوة الحريّة.
فوداعنا يا عام الخير والألم أيضاً. وأهلاً بــــ 2012.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق